سيد محمد طنطاوي

205

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

في الدار الآخرة ، في الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها . لحديث أبي سعيد وأبي هريرة - وهما في الصحيحين - أن ناسا قالوا : يا رسول اللَّه ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : « هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب » قالوا : لا ، قال : « فإنكم ترون ربكم كذلك » . وفي الصحيحين عن جرير بن عبد اللَّه قال : نظر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : « إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر » . ثم قال ابن كثير - رحمه اللَّه - : وهذا - بحمد اللَّه - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة . كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام ، وهداة الأنام . ومن تأول * ( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) * فقال : تنتظر الثواب من ربها . . فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه . وأين هو من قوله - تعالى - كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ . قال الشافعي : ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - . . « 1 » . ثم زجر - سبحانه - الذين يكذبون بيوم الدين ، ويؤثرون العاجلة على الآجلة ، زجرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر ، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عندما يودعون هذه الدنيا فقال : * ( كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وقِيلَ مَنْ راقٍ . وظَنَّ أَنَّه الْفِراقُ ) * . والضمير في * ( بَلَغَتِ ) * يعود إلى الروح المعلومة من المقام . كما في قوله - تعالى - فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . . ومنه قول الشاعر : أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر والتراقي : جمع ترقوة ، وهي العظام المحيطة بأعالي الصدر عن يمينه ، وعن شماله ، وهي موضع الحشرجة ، وجواب الشرط محذوف . أي : حتى إذا بلغت روح الإنسان التراقي ، وأوشكت أن تفارق صاحبها . . وجد كل إنسان ثمار عمله الذي عمله في دنياه ، وانكشفت له حقيقة عاقبته . والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها : الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة . فكأنه - تعالى - يقول : احذروا - أيها الناس - ذلك قبل أن يفاجئكم الموت ، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها ، وتنقطع عند ذلك آمالكم . وقوله - سبحانه - : وقِيلَ مَنْ راقٍ بيان لما يقوله أحباب الإنسان الذي بلغت

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 305 .